سيد محمد طنطاوي

200

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعرش اللَّه ، مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم أما حقيقته وكيفيته فلا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - . وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية من القرآن الكريم ، كما ذكر الاستواء على العرش في سبع آيات . أي : هو - سبحانه - الذي خلق السماوات والأرض في ستة أوقات ، ثم استوى على العرش ، استواء يليق به - تعالى - . بلا كيف ، ولا تمثيل ، ولا تشبيه ، لاستحالة اتصافه - تعالى : بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . قال الإمام مالك - رحمه اللَّه - الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . ثم بين - سبحانه - شمول علمه فقال : * ( يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وما يَخْرُجُ مِنْها ، وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ) * . وقوله : * ( يَلِجُ ) * من الولوج بمعنى الدخول ، يقال : ولج فلان بيته ، إذا دخله . وقوله : * ( يَعْرُجُ ) * من العروج وهو الذهاب في صعود ، والسماء ، جهة العلو مطلقا . أي أنه - سبحانه - يعلم ما يلج في الأرض ، وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء ، ومن جواهر وكنوز قد طويت في باطنها ، ومن بذور ومعادن في طياتها . ويعلم - أيضا - * ( ما يَخْرُجُ مِنْها ) * من نبات وحبوب وكنوز ، وغير ذلك من أنواع الخيرات ، ويعلم - كذلك - * ( ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ) * من أمطار ، وثلوج ، وبرد ، وصواعق ، وبركات ، من عنده - تعالى - لأهل الأرض . ويعلم - أيضا - ما يصعد فيها من الملائكة ، ومن الأعمال الصالحة ، كما قال - تعالى - إِلَيْه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه . وعدى العروج بحرف في ، لتضمنه معنى الاستقرار ، وهو في الأصل يعدى بحرف إلى ، كما في قوله - تعالى - : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وقوله - سبحانه - : * ( وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) * أي : وهو معكم بعلمه ولطفه ورحمته . . أينما كنتم وحيثما وجدتم . قال الآلوسي : قوله - تعالى - : وهو معكم أينما كنتم تمثيل لإحاطة علمه - تعالى -